السيد هاشم البحراني

353

البرهان في تفسير القرآن

فاضطرب آدم ( عليه السلام ) فزعا ، وارتعد خوفا ، حتى ذهب كلامه ، وجعل يشير إلى جبرئيل ( عليه السلام ) : « دعني أهرب من الجنة خوفا من ربي ، وحياء منه » . قال جبرئيل ( عليه السلام ) : إلى أين تهرب - يا آدم - وربك أقرب الأقربين ، ومدرك الهاربين ؟ فقال آدم ( عليه السلام ) « يا جبرئيل ، ردني أنظر إلى الجنة نظرة الوداع » . فجعل آدم ( عليه السلام ) ينظر عن يمينه وعن شماله ، وجبرئيل لا يفارقه ، حتى صار قريبا من باب الجنة ، وقد أخرج رجله اليمنى وبقيت رجله اليسرى ، فنودي : « يا جبرئيل ، قف به على باب الجنة حتى يخرج معه أعداؤه الذين حملوه على أكل الشجرة ، يراهم ويرى ما يفعل بهم » . فأوقفه جبرئيل ، وناداه الرب : « يا آدم ، وخلقتك لتكون عبدا شكورا ، لا لتكون عبدا كفورا » . فقال آدم ( عليه السلام ) : « يا رب ، أسألك أن تعيدني إلى تربتي التي خلقت منها ترابا كما كنت أولا » . فأجابه الرب : « يا آدم ، قد سبق في علمي ، وكتبت في اللوح أن أملأ من ظهرك الجنة والنار » . فسكت آدم . قال ابن عباس : لما أمرت حواء بالخروج ، وثبت إلى ورقة من ورق تين الجنة ، طولها وعرضها لا يعلمه إلا الله تعالى لتستتر بها ، فلما أخذتها ، سقطت من يدها ، ونطقت : يا حواء ، إنك لفي غرور ، إنه لا يسترك شيء في الجنة بعد أن عصيت الله تعالى . فعندها بكت حواء بكاء شديدا ، وأمر الله الورقة أن تجيبها ، فاستترت بها ، فقبض جبرئيل ( عليه السلام ) بناصيتها حتى أتى بها إلى آدم ( عليه السلام ) وهو على باب الجنة ، فلما رأت آدم ( عليه السلام ) ، صاحت صيحة عظيمة ، وقالت : يا لها من حسرة ، يا جبرئيل ، ردني أنظر إلى الجنة نظر الوداع . فجعلت تومئ بنظرها إلى الجنة يمينا وشمالا ، وتنظر إليها بحسرة ، فأخرجا من الجنة ، والملائكة صفوف لا يعلم عددهم إلا الله تعالى ، ينظرون إليهما . ثم أتي بالطاوس ، وقد طعنته الملائكة حتى سقطت أرياشه ، وجبرئيل يجره ، ويقول له : اخرج من الجنة خروج آيس ، فإنك مشؤوم أبدا ما بقيت ، وسلبه تاجه ، واجتث أجنحته . قال ابن عباس : أحب الطيور إلى إبليس الطاوس ، وأبغضها إليه الديك . وقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « أكثروا في بيوتكم الديوك ، فإن إبليس لا يدخل بيتا فيه ديك أفرق » « 1 » . وقال ( صلى الله عليه وآله ) : « ما أحب من الدنيا إلا أربعة : فرسا أجاهد بها في سبيل الله ، وشاة أفطر على لبنها ، وسيفا أدفع به عن عيالي ، وديكا يوقظني عند الصلاة » . وقال ( صلى الله عليه وآله ) : « إذا صاح الديك في السحر ، نادى مناد من الجنان : أين الخاشعون ، الذاكرون ، الراكعون ، الساجدون ، السائحون ، المستغفرون ؟ فأول من يسمع ذلك ملك من الملائكة في السماوات ، وهو على صورة الديك ، له زغب وريش أبيض ، ورأسه تحت العرش ، ورجلاه تحت الأرض السفلى ، وجناحاه منشوران ، فإذا سمع ذلك النداء من الجنة ، ضرب جناحيه ضربة ، وقال : يا غافلين ، اذكروا الله تعالى الذي وسعت رحمته كل شيء » . وروي أن النبي سليمان بن داود ( عليه السلام ) لما حشر الطير ، وأحب أن يستنطق الطير ، وكان حاشرها جبرئيل وميكائيل ، فأما جبرئيل فكان يحشر طيور المشرق والمغرب من البراري ، وأما ميكائيل فكان يحشر طيور الهواء والجبال ، فنظر سليمان ( عليه السلام ) إلى عجائب خلقتها ، واختلاف صورها ، وجعل يسأل كل صنف منهم ، وهم

--> ( 1 ) يقال : ديك أفرق ، للذي عرفه مفروق . « الصحاح - فرق - 4 : 1542 » .